السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

60

مختصر الميزان في تفسير القرآن

فَلا تَجْعَلُوا ، يفيد التأكيد البالغ في النهي بأن الإنسان وله علم ما كيفما كان لا يجوز له أن يتخذ للّه سبحانه أندادا والحال انه سبحانه هو الذي خلقهم والذين من قبلهم ثم نظم النظام الكوني لرزقهم وبقائهم . وقوله تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أمر تعجيزي لإبانة إعجاز القرآن ، وأنه كتاب منزل من عند اللّه لا ريب فيه ، إعجازا باقيا بمر الدهور وتوالي القرون وقد تكرر في كلامه تعالى هذا التعجيز كقوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( الإسراء / 88 ) ، وقوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( هود / 13 ) . وعلى هذا فالضمير في مثله عائد إلى قوله تعالى : مِمَّا نَزَّلْنا ، ويكون تعجيزا بالقرآن نفسه وبداعة أسلوبه وبيانه . ويمكن أن يكون الضمير راجعا إلى قوله : عَبْدِنا ، فيكون تعجيزا بالقرآن من حيث إن الذي جاء به رجل أمي لم يتعلم من معلم ولم يتلق شيئا من هذه المعارف الغالية العالية والبيانات البديعة المتقنة من أحد من الناس فيكون الآية في مساق قوله تعالى : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( يونس / 16 ) ، وقد ورد التفسيران معا في بعض الأخبار . واعلم : ان هذه الآية كنظائرها تعطي إعجاز أقصر سورة من القرآن كسورة الكوثر وسورة العصر مثلا ، وما ربما يحتمل من رجوع ضمير مثله إلى نفس السورة كسورة البقرة أو سورة يونس مثلا يأباه الفهم المستأنس بأساليب الكلام إذ من يرمي القرآن بأنه افتراء على اللّه تعالى إنما يرميه جميعا ولا يخصص قوله ذاك بسورة دون سورة ، فلا معنى لرده بالتحدي بسورة البقرة أو بسورة يونس لرجوع المعنى حينئذ إلى مثل قولنا : وان كنتم في ريب من سورة الكوثر أو الاخلاص مثلا فأتوا بسورة مثل سورة يونس وهو بين الاستهجان